منبر القضية الفلسطينية
Falasteen Flag
Falasteen Flag
منبر القضية الفلسطينية

الصفحة الأساسية > مجازر صهيونية > إسرائيل والدياسبورا: توأمـان أم ضدان؟

إسرائيل والدياسبورا: توأمـان أم ضدان؟

أنطوان شلحت

٢٦ حزيران (يونيو) ٢٠١٢


في الذكرى الرابعة والستين لإقامة «دولة إسرائيل» نقل الصحافي والمؤرخ الإسرائيلي توم سيغف بعض الوقائع من جدل دار على شبكة الانترنت على أعتاب تلك المناسبة بين مجموعة من رجال الأدب والمؤسسة الأكاديمية جرى توصيفها بأنها تعيش في المراتب الأعلى للنخبة الإسرائيلية، بشأن هل أن إسرائيل هي مجرّد خيار واحد من خيارات اليهود المتعددة، أم أن مكان اليهود كلهم يجب أن يكون فيها باعتبارها «أرضهم التاريخية»؟

أشار سيغف إلى أن هذا الجدل تحديدًا بدأ بقول الأديب أ. ب. يهوشواع: «إن المحرقة (الهولوكوست) في نظري هي البرهان القاطع على الفشل الذي منيت به هوية الشتات (الدياسبورا) لليهود، كما تبلورت طوال أكثر من 2500 عام». وأضاف: ان «فشل تلك الهوية يتجلى ليس في كارثة المحرقة النازية فحسب، وإنما أيضًا في الاندماج المكثف من جانب كثيرين من أبناء الشعب اليهودي داخل الشعوب التي عاشوا بين ظهرانيها. ومن بين أربعة إلى ستة ملايين عاشوا في نهاية عهد الهيكل الثاني، بقي مليون واحد في مطلع القرن الثامن عشر».

ويرى ان جزءًا من مشكلات إسرائيل في الشرق الأوسط «ينبع من تخلف ديموغرافي ليس بوسعنا إصلاحه، والشعب اليهودي بعد المحرقة النازية لم يعد هو الشعب ذاته صاحب القدرات التي كانت له قبل المحرقة. كما أن فشل هوية الشتات دفع أكثر من نصف الشعب إلى استبدال هويته هذه بهوية إقليمية سيادية». كذلك يعتقد أن الوجود اليهودي في إسرائيل «أشد اكتمالاً» مما هو في أي مكان آخر من العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة.

وقد انقسم المتجادلون بين مؤيدين ليهوشواع ممن يعتقدون أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تعتبر الحياة والثقافة فيها يهوديتين بالكامل، وأن «الحياة اليهودية الطبيعية» وتطوّر الثقافة اليهودية لا يمكن أن يتحققا في دول لا يشكل اليهود فيها الأغلبية، وبين معارضين له أخذوا عليه أن تفكيره هذا ضد التاريخ، وأن النتاج الاقتصادي والتنظيمي والعلمي والفني والسياسي، الذي أنشأته خلال جيلين أو ثلاثة أجيال على أرض أميركا جالية يهودية مهاجرة، لا يقل بتاتًا إن لم يكن يضاهـي ذلك الذي أنتج في إسرائيل بمساعدة اقتصادية وسياسية حيوية من أبناء تلك الجالية.

يعكس هذا الجدل جانبًا من صراع حادّ يدور بين الحركة الصهيونية ومن أسمتهم يهود الشتات قبل إقامة الدولة واستمر بعد إقامتها، وقد اشتقت سيروراته من نظرية «نفي المنفى» الصهيونية المسبقة الاختيار والأدلجة والتي دججت من ضمن أشياء أخرى مشروعات هجرة كثيرة كان الهدف الرئيسي منها عدم تكريس الشتات أولا ودائمًا، وإبراز مركزية إسرائيل في سياق اكتمال تحقق الهوية اليهوديـة وخصوصًا بالنسبة إلى يهود الولايات المتحدة.

يهود أميركا والشتات

من الناحية التاريخية لم تكن الهجرة إلى إسرائيل في يوم من الأيام أولوية بالنسبة إلى يهود الولايات المتحدة وهم الأهم في الشتات.

ويرى المحلل السياسي شلومو شامير من صحيفة «هآرتس» أنه مع مرور 64 عامًا على إقامة إسرائيل، اختفى موضوع الهجرة تمامًا، وزالت الأهمية التي كانت لهذا الموضوع في وجدان اليهودي الذي يعيش في «المنفى» عمومًا، وبدأ موضوع الهجرة يختفي كرؤيا أو كهدف للمستقبل أو حتى كفكرة نظرية.

وبناء على ذلك لم يعد موضوع الهجرة يُدرج في قائمة الموضوعات التي تُناقش في المؤتمرات اليهودية، ولا في نشاطات المنظمات والمؤسسات الصهيونية التي تحاول الحصول على تأييد الجمهور وتعمل على تقريب جالية يهود أميركا إلى إسرائيل.

ومنذ وقت طويل تخلى عدد من كبار الوزراء والمسؤولين الإسرائيليين عن ذكر الهجرة في خطبهم في أثناء حضورهم مناسبات يهودية.
وأشارت ورقة عمل حول «العلاقات بين يهود إسرائيل وبين يهود الشتات» نوقشت في «مؤتمر هيرتسليا الحادي عشر بشأن ميزان المناعة والأمن القومي في إسرائيل» (2011) إلى أن الوكالة اليهودية تخلت رسميًا عن استخدام مصطلح الهجرة، وذلك استنادًا إلى قرار صادر عن رئيس هذه الوكالة نتان شيرانسكي، في نطاق إستراتيجيا جديدة بدأ في اتباعها، وتتضمن تركيز الجهود على تنمية وتعزيز العلاقات مع يهود الشتات، وتعريف الجاليات اليهودية على «القيم الصهيونية»، وذلك على حساب الهجرة إلى إسرائيل. ووفقًا للورقة فإنه يأمل من خلال ذلك بتحقيق هدفين مهمين: الأول، الحدّ بصورة ملموسة من عملية اندماج يهود الشتات (في المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها) والتي يعتبرها عملية ذوبان؛ الثاني، تجنيد جاليات الشتات في المعركة من أجل ترميم صورة إسرائيل وتحسينها والتصدي لما يسمى بـ «حملة نزع الشرعية» عنها في العالم.
ويرى شيرانسكي كذلك أنه لا تتوفر فرصة حقيقية لتشجيع الهجرة، وذلك في ظل واقع كون معظم يهود الشتات يعيش في دول رفاه.

وكان «مؤتمر هيرتسيليا» في دورة انعقاده الأولى سنة 2000 قد شدّد ضمن وثيقته التأسيسية على أن يهود الشتات شكّلوا دائمًا احتياطيًا بشريًا تقليديًا لمنع نشوء أغلبية فلسطينية في إسرائيل، وعلى أن المساهمة المضطردة لهؤلاء اليهود في مناعة إسرائيل وأمنها هي على قدر عال من الأهمية بحيثُ تشكّل الظهير الإستراتيجي للدولة، ولفت إلى أن الشراكة بين يهود العالم وبين إسرائيل تساهم في مناعة إسرائيل القومية بعدة مفاهيم.
وفي «مؤتمر هيرتسيليا الحادي عشر» أشير إلى أن إسرائيل وظفت نحو 300 مليون شيكل في خطط وبرامج متعددة لتعزيز العلاقة والروابط مع يهود الشتات في أرجاء العالم.

ومن أهم هذه البرامج:

- «مساع» (رحلـة): وهو برنامج مشترك للوكالة اليهودية والحكومة الإسرائيلية مخصص للشبان اليهود في العالم، ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما، ويتم في نطاقه جلب شبان يهود إلى إسرائيل ليجربوا الحياة فيها فترة تمتد حتى عام واحد يشتركون خلاله في برامج تطوعية ودراسية وتخصصات مهنية وغيرها.
- «تغليت» (اكتشاف): وهو برنامج مستقل يُموّل بشكل مشترك من جانب الحكومة الإسرائيلية ومتبرعين يهود، وهو مخصص للشبان الذين تتراوح أعمارهم بين 18 عاما و26 عاما، ويمكث الشبان المشتركون فيه عدة أسابيع في إسرائيل في رحلة تعرف على البلد.

- «لبيد» (شعلة): برنامج ينفذ بتمويل ذاتي من جانب المشتركين، وهو مخصص لطلبة الصفوف الثانوية الذين يأتون إلى إسرائيل لإكمال تعليمهم فيها.

- برنامج «مدرسة رافائيل ركناتي الدولية» في «المركز المتعدد المجالات» في هيرتسيليا: وهو مخصص لدراسات اللقبين الجامعيين الأول والثاني في مواد مختلفة باللغة الانكليزية. ويشترك فيه سنويا بضع مئات من الطلبة اليهود الوافدين من دول شتى في العالم.

كما أشير إلى أن منظمة «فردًا فردًا» تعمل في الآونة الأخيرة على ملء الفراغ الحاصل في مجال التشجيع على الهجرة من الولايات المتحدة إلى إسرائيل، ولكن ضمن ظروف متواضعة، وهي تساهم في هجرة أكثر من ألفي مهاجر يهودي من أميركا الشمالية إلى إسرائيل سنويًا، أغلبيتهم من اليهود المتدينين.

تجاذبات جديدة

لا تقتصر التجاذبات بين إسرائيل ويهود الشتات وأساسًا في الولايات المتحدة على موضوع الهجرة، بل ظهرت في الآونة الأخيرة تجاذبات جديدة يعود أحد أسبابها إلى نأي أغلبية اليهود الأميركيين عن الانشغال بالقضايا التي تشغل بال إسرائيل، وآخرها مثلا قضية «الخطر الإيراني»، والتخوف من تشدّد سياسة البيت الأبيض بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، كما يتبين من استطلاعات الرأي العام الأخيرة التي أجريت من أجل التعرف على الأجواء التي تسود في أوساط هؤلاء اليهود. وأظهر أحد استطلاعات الرأي أن 4 بالمئة فقط من اليهود الأميركيين يأخذون في اعتبارهم لدى تصويتهم في الانتخابات الرئاسية الأميركية موقف المرشحين من إسرائيل.
وذكر تقرير جديد لصحيفة «هآرتس» أن عددًا من رجال الأعمال الكبار الأميركيين والإسرائيليين، الذين التقوا الجمهور اليهودي في دور العبادة أو في المراكز الاجتماعية التابعة للجالية، رووا أن إسرائيل بالنسبة إلى هؤلاء اليهود هي دولة احتلال. كذلك لا يحبذ اليهود في الولايات المتحدة فكرة قبول الأغلبية الإسرائيلية بعدم وجود عملية سلام مع الفلسطينيين، واللامبالاة الإسرائيلية إزاء تراجع حظوظ التسوية السلمية. وأضاف أن أحد الإسرائيليين فوجئ بعد الانتهاء من إلقاء محاضرة طويلة له في الولايات المتحدة عن خطر المشروع النووي الإيراني، بأن الأسئلة التي وجهها إليه الحاضرون لم تتناول موضوع محاضرته وإنما القوانين «المعادية للديموقراطية»، بحسب وصفهم، التي أصدرها الكنيست الإسرائيلي.

وفي تقرير جديد حول التطورات في الحلبة الجيو- سياسية وانعكاساتها المحتملة على إسرائيل والشعب اليهودي صدر في صيف 2011 عن «معهد تخطيط سياسات الشعب اليهودي» الذي أسسته الوكالة اليهودية سنة 2002 وجعلت من القدس مقرًا له، ورد أن ظهور منظمة J-Street، وهي عبارة عن لوبي يسعى لتقديم رسالة بديلة من رسالة منظمة «إيباك»، وإقامة منظمة J-CALL الموازية (للأولى) في أوروبا «يدلان على احتدام الجدل الداخلي اليهودي في الشتات بشأن موضوعات ومسائل العملية السياسية، سواء في ما يتعلق بالمواقف التي يتعين على إسرائيل اتخاذها تجاه هذه العملية، أو في ما يتعلق بشرعية دفع مواقف تتناقض مع مواقف حكومة إسرائيل من جانب منظمات يهودية، وكذلك في ما يتعلق بطابع العمل والموقف في مقابل الإدارة الأميركية وحكومات أخرى (ويشمل ذلك على سبيل المثال مدى «شرعية» مطالبة منظمة يهودية الإدارة الأميركية بممارسة ضغط على إسرائيل من أجل دفع اتفاقات سلام)».

وخلص هذا التقرير إلى أن اقتراب ساعة الحسم في مسائل الحل الدائم للصراع مع الفلسطينيين من شأنه أن يعكر ويهدد التضامن الداخلي بين إسرائيل ويهود الشتات، وأن يطرح بحدة مسألة حق وضرورة مشاركة يهود الشتات بصورة فعالة في الجدل العام المتعلق بهذه الموضوعات الحاسمة في إسرائيل، وهل يجب إقامة قنوات وآليات فعالة جديدة لضمان أخذ رأي هؤلاء اليهود في الحسبان في عملية اتخاذ القرارات في إسرائيل بشأن الموضوعات ذات الصلة بالشعب اليهودي.

موقف إسرائيل الرسمي

ما زال الموقف الإسرائيلي الرسمي من يهود الشتات يتراوح بين حثهم على الهجرة إلى إسرائيل، وبين مطالبتهم لمجرّد كونهم يهودًا الدفاع عنها وعن سياستها. ففي كلمة ألقاها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في 22 أيار 2012 أمام المشتركين في مشروع «رحلة»، الذي يتم في إطاره استقدام شبان اليهود من مختلف الجاليات للحياة في إسرائيل، خاطبهم في ختامها قائلاً: «أريدكم أن تعودوا إلى بلدانكم وأن تقوموا بأمريْن: أولاً، أن تعيدوا التفكير في مسألة الهجرة إلى إسرائيل باعتبارها مكانًا يختلط فيه الماضي اليهودي بالمستقبل اليهودي، ومكانًا لا يمكنكم صوغ حياتكم الشخصية فيه فحسب وإنما أيضًا صوغ حياة شعبكم، وبالتالي إضفاء دلالة عميقة على حياتكم؛ ثانيًا، أريدكم أن تدافعوا عن إسرائيل، من خلال قول الحقيقة، ومن خلال الاعتداد بتراثكم وهويتكم اليهودية، وبقيامنا معاً ببناء مستقبلنا اليهودي المشترك وضمانه».

في موازاة ذلك يجري التحذير من مغبة اندماج يهود الشتات في المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها، ومن مغبة الزواج المختلط. وتعمل منظمة باسم «لهافا» (فتيل) على محاربة هذا الزواج بحجة أنه يتسبب بذوبان اليهود في مجتمعات الغوييم (الأغيار). وفي الفترة الأخيرة شنت هذه المنظمة حملة شعواء على مارك تسوكربرغ، مؤسسة الشبكة الاجتماعية فايسبوك، في إثر زواجه من امرأة آسيوية، تحت شعار أن هذا الزواج سيتسبب بانفصاله نهائيًا عن الشعب اليهودي.

ولعل ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن زعماء الحركة الصهيونية اعتبروا دائمًا أن الاندماج يشكل خطرًا على وجود الشعب اليهودي. وما زالت تتردّد إلى الآن أصداء مقولة رئيسة الحكومة الأسبق غولدا مئير بأن كل يهودي أو يهودية يتزوج أو تتزوج من الغوييم يصبحان في عداد الملايين الستة الذين أبيدوا في إبان المحرقة النازية.
احتجاجات «حريدية» على عروض السينما في يوم السبت.

وبعد مئير اعتبر رئيس الحكومة الأسبق إسحاق شامير أن «المنفى» سيء بالمطلق، وأنه سيتعين على اليهود العيش مع بعضهم البعض في نهاية الأمر، وسيكون هذا هو «العصر الذهبي» بالنسبة إليهم، ذلك بأن دولة إسرائيل لا تستطيع البقاء والاستمرار إذا لم يصل عدد سكانها اليهود، خلال فترة معينة، إلى 10 ملايين نسمة، الأمر الذي يقتضي من أغلبية الشعب اليهودي أن تكون هنا. وتوقع أن تحدث هجرات يهودية جماعية من شتى الأماكن في العالم، وفي مقدمها الولايات المتحدة.

وقد وردت أقوال شامير هذه في سياق مقابلة أدلى بها إلى ملحق صحيفة «معاريف» الأسبوعي في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 1990. غير أن نبوءته ليس أنها لم تتحقق فحسب، بل على العكس، حيث أن الهجرة إلى إسرائيل لم تصبح في رأس أولويات اليهود الأميركيين، والتجاذبات بين إسرائيل ويهود الشتات ازدادت اتساعاً.

ملاحظة

عن السفير اللبنانية

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.


موقف «فلسطين» | أسرى الحرية | مجازر صهيونية | قضايا عربية ودولية | حوارات | المقالات والآراء | أخبار فلسطين | دراسات وتاريخ | صور وأعلام | توجيهات للكتاب
متابعة نشاط الموقع RSS 2.0