منبر القضية الفلسطينية
Falasteen Flag
Falasteen Flag
منبر القضية الفلسطينية

الصفحة الأساسية > دراسات وتاريخ > ‎الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

‎الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

١٨ شباط (فبراير) ٢٠١٠


‎الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
‎ منذ فجر التاريخ حتى سنة 1949

‎الكاتب: الياس شوفاني
‎مؤسسة الدراسات الفلسطينية
بيروت

الفصل السادس

أولاً – بداية الاستيطان الصهيوني

"الصهيونية" اسم لحركة سياسية انتشرت بين يهود أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وتبلورت من فكرة مجردة الى مشروع عمل استيطاني في فلسطين، يرمي الى إقامة كيان سياسي لليهود فيها. واللفظ مشتق من كلمة "تسيون" العبرية، وهي اسم لجبل يقع جنوبي غربي القدس (جبل صهيون)، يحج اليه اليهود لاعتقادهم أن الملك داود دُفن هناك. وفي التراث الديني اليهودي أن "يهوى" يسكن هناك (مزامير 9/11)، إذ يرد القول "رنِّموا للرب الساكن في صهيون". وبمرور الزمن صار الاسم يستعمل مجازاً للدلالة على القدس، واتسع ليشمل "الأرض المقدسة" (فلسطين) كلها، بل اليهود عامة. وفي العصر الحديث، طرحه كمصطلح ذي مضمون سياسي الصحافي اليهودي النمساوي الأصل، ناثان بيرنباوم (1863 – 1937م)، ليصِف به الحركة السياسية الداعية الى تهجير يهود العالم الى فلسطين، وتوطينهم هناك، بناء على الدعوى بالحق التاريخي لهم فيها، وبالتالي الحق في إقامة كيان سياسي يهودي عليها.

وفي المنظور اليهودي للتاريخ، وبالتالي لعلاقة الله بالكون وشعوبه، تبرز فكرة "شعب الله المختار" (اليهود)، الذي اصطفاه الله من بين شعوب الأرض الأخرى، ليحمل رسالة متميّزة، وسمات خاصة (عنصرية)، تفصله عنها. وهذا "الاختيار الإلهي" يُضفي على اليهود نفحة من القدسية ليست لغيرهم، وبناء عليه، فهم بهذا التخصيص "نور الشعوب"، يفوقونها كما يتميّزون عنها. وورد في التوراة (سفر التثنية 14/2): "لأنك شعب مقدس للرب إلهك. وقد اختارك الرب لكي تكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض". وفي المنظور الطوباوي إياه، يرتبط اختيار "الشعب" باختيار "الأرض"، إذ إن للشعب المختار أرضه المختارة، وبالتالي المقدسة. ولأن الجمع بين هذا الشعب والأرض هو إرادة إلهية، فقد أصبحت "أرض إسرائيل" (فلسطين) هي "أرض الميعاد"، التي وعد إله إسرائيل إبراهيم بها، وعاهده أن تكون لنسله من بعده، كما أنها "أرض الميعاد" التي سيعود اليها "أبناء إسرائيل" تحت راية "المشيح" في "آخر الأيام". وبناء عليه، وعلى اعتبار أن التاريخ من صنع البشر، فإن هذه المقولات الطوباوية لا تمت اليه بصلة.

وفي القرن التاسع عشر، تضافرت عوامل ذاتية في التجمعات اليهودية الأوروبية، على قاعدة "المسألة اليهودية"، وعوامل أوروبية عامة، في إطار "المسألة الشرقية" لتحرك "الفكرة الصهيونية"، وتنتقل بها من المجرد الى الملموس في "المشروع الصهيوني" العملي. وقد تبلورت الفكرة الصهيونية في حاضنة "الأفكار الاسترجاعية"، التي انتشرت في المناخ الحضاري الأوروبي منذ القرن السادس عشر الميلادي، وترعرعت في الأجواء السياسية التي سادت أوروبا خلال القرن التاسع عشر – أجواء الإمبريالية – وخصوصاً بعد سنة 1870م. والصهيونية صاغت منطلقاتها الفكرية، وكذلك سبل ووسائل تجسيد مشروعها العملي، مستغلة الأزمات الناجمة عن المسألتين – اليهودية والإمبريالية. ففي الشق اليهودي، وظفت الفكر الاسترجاعي، بطابعه اليهودي الغيبي، لتطرح نفسها الوسيلة لإخراج اليهود من أزمتهم المتفاقمة داخل المجتمعات الأوروبية. أما في الشق الإمبريالي، فقد طرحت نفسها سبيلاً الى تذليل العقبات الناجمة عن الهدف الإمبريالي في تطويع شعوب المنطقة العربية لإملاءاته، عبر إقامة مشروع استيطاني، يشكل مركزاً إقليمياً مناهضاً لحركة شعوب المنطقة في مواجهة الغزو الإمبريالي.

ففي الجوهر، الصهيونية حركة أوروبية الجذور، فكراً وممارسة، إذ نشأت وترعرعت في أجواء القوميات الأوروبية في القرن التاسع عشر. وفي الظاهر، غطت مقولاتها بخطاب ديني يهودي استرجاعي. ولأنها حركة مفتعلة ومفبركة، كان لا بدّ من التمويه على الجوهر فيها، بمزاعم ومقولات زائفة، سواء لناحية المضمون في الفكرة السياسية – "الدولة القومية تحل المسألة القومية" – أو لناحية تجسيدها في الواقع عبر الاستعمار الاستيطاني، الذي سبقتها اليه الدول الأوروبية في بقاع متعددة من العالم. وقد تقدمت الصهيونية بمشروعها على قاعدة الاسترجاع، من منطلق أسطورة "شعب الله المختار"، و"أرض الميعاد"، و"عودة الشعب المختار الى وطنه". أما في الممارسة العملية، فكان لا بدّ لحركة من هذا النمط أن تعتمد أسلوب "التآمر" السياسي والدبلوماسي، واستغلال التناقض بين القوى، لتمرير مشروعها، ذي الطبيعة المزدوجة – اليهودية والإمبريالية.

وفي تقليدها للحركات القومية الأوروبية، برزت الصهيونية كظاهرة مصطنعة، إذ لم تتوفر لديها الشروط المسبقة، أو المقومات الكيانية، للادعاء بأنها "حركة قوميةط، تسعى لإقامة "دولة قومية"، وتحقيق السيادة السياسية فيها، أسوة بالقوميات الأخرى. والدعوى الصهيونية بوجود "قومية يهودية" هي ضرب من البدعة، لأنها بانطلاقها كانت تنقصها أهم مقومات الحركة القومية – الشعب الموحد والأرض المحددة. فاليهود المنتشرون في جميع أنحاء العالم، لم تكن بينهم من روابط إلا العقيدة الدينية، مع وجود "مذاهب" متعددة بينهم. وفي مسار معاكس تماماً لنشوء الدول القومية، تحركت الصهيونية من "إعلان السيادة"، وراحت تبحث عن "شعب" تسبغ عليه صفة "الأمة"، ومن ثم عن رقعة أرض، تجمع فيها بين الشعب والسيادة. وبهذا تكون الفكرة قد تبلورت خارج الشعب والأرض، ولم تكن تعبيراً عن تطلعات ذلك "الشعب"، ولا تجسيداً لإرادته القائمة على وعيه لذاته كوحدة ذات خصوصية، وعلى أرض محددة، يريد السيادة عليها أسوة بغيره من الشعوب.

وكان طبيعياً أن تعمد حركة من هذا النمط المفتعل، تدعي الرابطة القومية بين تجمعات دينية مبعثرة في بقاع العالم كلها، والحق التاريخي على أرض آهلة بسكانها الأصليين، الى اختلاق المزاعم، وتشويه التاريخ والجغرافيا التاريخية في خطابها السياسي. أما على صعيد التخطيط والتنفيذ، فكان لا بدّمن أن تعتمد التآمر والدسائس، وبالتالي العنف الفائي لتحقيق أهدافها. فالتجمعات اليهودية التي انتشرت في أنحاء العالم كلها، لم يكن يجمعها ناظم اجتماعي، أو اقتصادي، أو لغوي، أو تاريخي. والمسألة اليهودية، التي تذرعت بها الصهيونية، هي قضية اجتماعية أوروبية، وبالتالي فحلها الصحيح هو في ذلك الإطار. والدعوى بعدم إمكان اندماج اليهود في مجتمعاتهم الأصلية، وبغض النظر عن دواعي هذه الظاهرة، وعن مقدار صحة تعليل أسبابها بالمنظور الصهيوني، فهي تقود الى البحث في الأوضاع التي أدت اليها، ومعالجتها في الواقع الذي أفرزها كظاهرة نابية في علاقة التجمعات اليهودية بمحيطها.

ولأن الصهيونية لم تتبلور في صفوف كتلة موحدة من اليهود، مجتمعة في رقعة جغرافية محددة وتسودها أوضاع اجتماعية – اقتصادية متشابهة، أو متكاملة، فقد أدّت النخب اليهودية المندمجة فعلياً في النظام الرأسمالي الإمبريالي، دور "المبشر" بهذه الحركة، وأولاً وقبل كل شيء في أوساط اليهود أنفسهم، الذين كانوا الأشد معارضة للأفكار الصهيونية، ولمشاريع الاستيطان اليت تنطوي عليها. ولم تكن تلك الأفكار، ولا النخب التي تصوغها وتروجها، تعبر بصورة حقيقية عن الاتجاهات السائدة في أوساط التجمعات اليهودية، التي كانت لكل منها أوضاعها ومشكلاتها وتطلعاتها ونشاطاتها. وطرحت تلك النخب نفسها وسيطاً بين الفئات السائدة في المراكز الإمبريالية، وبين التجمعات اليهودية فيها، التي كانت تعاني أزمة داخلية، على صعيد العلاقات بين التيارات المتعددة فيها، وخارجية، على صعيد العلاقات مع الفئات الرأسمالية السائدة. وانتهزت تلك النخب الأوضاع المتوترة بني اليهود ومحيطهم، لتطرح نفسها وسيطاً، يعمل على حل المشكلات المتفاقمة بين الجانبين، عبر تجنيد اليهود وتهجيرهم وتوطينهم في مواقع تخدم مصالح الفئات الرأسمالية السائدة. وبالتالي تخفف من حدة التوتر القائم بين الطرفين، من جهة، وتبرر وجودها هي، من جهة أخرى.

ومهما يكن الأمر، فإن جملة المزاعم الصهيونية بشأن القومية اليهودية والحق التاريخي في فلسطين، والدعوى الاستراجاعية في الأجواء الثقافية الأوروبية، والمسألة اليهودية ومجمل عناصرها وردات الفعل عليها، ما كان لها أن تشكل ظاهرة قابلة للحياة خارج إيقاعات المسألة الشرقية، والصراع الإمبريالي بشأن المنطقة. والإنجازات العملية التي حققتها الصهيونية، لا يمكن أن تُعزى الى الفعل اليهودي الذاتي، انطلاقاً من الطروحات المزيفة للتاريخ، ولا الى المزاعم الصهيونية والدعاوى الاسترجاعية، ولا الى التنظيم الداخلي، فحسب، بل الى الديناميات الحقيقية لتاريخ أوروبا في القرن التاسع عشر، أولاً وقبل كل شيء. ومن هنا تبرز أهمية دراسة عناصر الفكرة الصهيونية، وكيف تمت بلورتها، ومن هي القوى صاحبة المصلحة في ترويجها والعمل على تجسيدها، من أجل فهم شمولي للظاهرة الصهيونية، وعلى هذا الصعيد، تبرز المراكز الإمبريالية ومخططاتها والتنافس بينها بشأن اقتسام أراضي السلطة العثمانية، وكذلك دور النخب اليهودية المندمجة في نسيج الفئات السائدة في تلك المراكز.

وإذا كانت منطلقات الفكرة الصهيونية – إقامة كيان سياسي يهودي عبر الهجرة والاستيطان – لا يستقيم فهمها بمعزل عن محيطها الأوروبي، فإن التجسيد العملي للمشروع الصهيوني لا تتضح معالمه من دون الربط الجدلي بين بنائه ونشاط مؤسساته، وكذلك بن بروزه والظواهر السياسية التي واكبت ذلك، زماناً ومكاناً. وبناء عليه، فلا بدّ من الربط الجدلي بين الظواهر الرئيسية التي حكمت تاريخ الشرق الأدنى خلال القرن الأخير لفهم شمولي للمشروع الصهيوني. وعبر هذا الربط يمكن استنباط العلاقة الجدلية بين تلك الظواهر، وبالتالي تحديد دور الإمبريالية الأوروبية، والبريطانية منها تحديداً، في صوغ المشروع الصهيوني، فكراً وممارسة. وبناء عليه، يمكن فهم الدور المنوط بالمشروع الصهيوني في المنطقة، على أرضية التطورات الجارية فيها. وإذ لا شك في أن العامل اليهودي كان ذا أهمية في تشكل الظاهرة الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين، فإن العامل الإمبريالي يبقى هو الحاسم في تقرير مجرى الأحداث، أي العامل القائد في جدل العلاقة بين أطراف الصراع الذي نشب في فلسطين جرّاء المشروع الصهيوني.

وبإلقاء النظر الى مسار الأحداث في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبصورة خاصة في نهايته، تبرز أربع ظواهر متفاعلة ومتشابكة. وتفاعل هذه الظواهر في عملية صراعية، أنتج الوضع القائم في المنطقة عبر تجليات سيرورة الصراع. فعلى الصعيد الاستراتيجي العلى، احتدم التناقض بين ظاهرتين تشكلتا عبر فترة زمنية طويلة، وراحتا تقتربان من حسم هذا التناقض بصورة جذرية، وهما:

انحلال السلطنة العثمانية – آخر الإمبراطوريات الإسلامية من القرون الوسطى – وأثر ذلك في الأراضي الواقعة تحت حكمها، فعلاً أو ظاهراً، وعلى مصير الشعوب المنضوية في إطارها، رغبة أو قسراً؛
تكالب الاستعمار الأوروبي على تقسيم أراضي السلطنة، بعد أن ظلت قواه لفترة طويلة تعمل على تكريس نفوذها في تلك الأراضي، عبر الامتيازات أولاً، ومن خلال التدخل المباشر والفظّ لاحقاً.

ففي نهاية القرن التاسع عشر تفاقمت أزمة الرأسمالية الأوروبية، ومعها راحت تتصاعد محاولات المراكز الإمبريالية لتصدير أزمتها الى الخارج، فاصطدمت هذه المحاولات على أرضية تناقض المصالح، وأدّت الى الحرب العالمية الأولى وانحلال السلطنة العثمانية.

وعلى أرضية الظاهرتين السابقتين، وليس بمعزل عنهما، بل بالترابط والتواكب مع تجليات مسار حسم التناقض بينهما، برزت ظاهرتان أُخريان، دخلتا بطبيعة الحال في تناقض تناحري بينهما، لتنفي إحداهما الأخرى، وهما:

ظهور الحركة القومية العربية، على خلفية انحلال السلطنة العثمانية، من جهة، وتبلور الوعي الذاتي العربي لخصوصية الأمة العربية، وبالتالي ضرورة التعبير عن هذه الخصوصية في دولة قومية موحدة، من جهة أخرى؛
بروز الحركة الصهيونية السياسية، ساعية لإقامة دولة يهودية في قلب الوطن العربي، وبالتعاون مع الدول الاستعمارية، وبالتالي من خلال المشروع الإمبريالي العام إزاء المنطقة.

وفي هذا الإطار يبرز الدور الصهيوني الذي أوكلت اليه من خلال مشروعه، ولاحقاً عبر كيانه السياسي، مهمة المساهمة في التصدي للحركة القومية العربية، والعمل على ضربها وإحباط نضالها من أجل الاستقلال والوحدة، وذلك عن طريق بناء الكيان الصهيوني الاستيطاني كقاعدة عدوانية، همُّها سواء بالتدخل المباشر أو المداور، الحؤول دون تحقيق الحركة القومية العربية لأهدافها، وبناء عليه، ترسيخ واقع التفتت والتبعية في العالم العربي.

إن الربط بين هذه الظواهر الأربع، أخذاً في الاعتبار مجمل المتغيرات في تلك المرحلة على ساحة الوطن العربي، سواء نتيجة التطورات الداخلية فيه، أو المؤثرات الخارجية عليه، يؤدي الى الاستنتاج أن الفكرة القائمة وراء إنشاء الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي، هي أن يشكّل مركزاً إقليمياً مضاداً للحركة القومية العربية، يتخذ شكل "الثكنة" الاستيطانية، ويكون قاعدة متقدمة لخدمة المصالح الإمبريالية في مواجهة حركة شعوب المنطقة. وبذلك تكون "القاعدة" الاستيطانية الصهيونية مكملة في دورها الوظيفي للمهمات التي أُنيطت بالقواعد العسكرية، متعددة الأنواع والصيغ، التي أُقيمت على امتداد الوطن العربي، وعلى طول الطرق المؤدية اليه. وهذا الدور الوظيفي للمشروع الصهيوني هو مبرر وجوده، على الأقل من وجهة نظر المراكز الإمبريالية التي رعته، وجعلت تجسيده واقعاً على الأرض ممكناً، وبالتالي فهو الأساس في صوغ هذا المشروع وكينونته.

وإذا كان هذا هو الجوهر في المشروع الصهيوني، فمن الطبيعي أن يكون مجال نشاطه في أدائه لدوره الوظيفي خارج حدود استيطانه. فالثكنة، التي هي امتداد للمركز، ترمي الى إقامة قاعدة آمنة لآلة عسكرية، يكون دورها العدواني في محيطها. والحركة القومية العربية، النقيض الأساسي للمشروع الإمبريالي في المنطقة، وبناء عليه، المستهدفة للضرب والتطويع، لم يكن مركزها في فلسطين، وإنما في العواصم العربية الكبيرة. ومن هنا، فالتصدي لها لا يتم داخل الرقعة الاستيطانية، ولا عند حدودها فحسب، بل يتعدى ذلك الى تلك العواصم ذاتها، حيث يجري التعبير عن حركة الجماهير المكافحة من أجل أهدافها القومية. وبناء عليه، يكون دور "الثكنة" (المركز الإقليمي المضاد)، وبصور متعددة: أيديولجية واقتصادية وسياسية وعسكرية، المساهمة في عملية التحكم في المسارات السياسية في تلك العواصم. ومن هنا، يبرز المبرّر الأساسي لإقامة المشروع الصهيوني، وجعل فلسطين قاعدة آمنة له بالاستيطان، وبالتالي تهويد فلسطين – الأرض والشعب والسوق – هو قيام هذا المشروع بدور في التصدي للحركة القومية العربية وإحباط نضالها ضد الاستعمار ومصالحه في المنطقة.

وفي إطار المسألة الشرقية، كانت المراكز الإمبريالية تعي أن مشاريعها تصطدم بالمصالح الحيوية للأمة العربية. وبناء عليه، كان لا بدّ من أن تبرمج عملها، وتضع خططها، وتبني أدواتها اللازمة، لإحباط نضال الحركة القومية العربية، المعبرة عن مصالح جماهير الأمة في الاستقلال والوحدة والتقدم الاجتماعي. ومن هنا، رعت تلك المراكز، وكل منها في حينه، المشروع الصهيوني بعناية، ليشكل القاعدة المتقدمة في عملية التصدي لنضال الحركة القومية العربية، وإحباطه. ولولا هذه الرعاية، لما قام المشروع الصهيوني، بل لعله ما كان تبلور كفكرة أصلاً، إذ لا يمكن قط تصور إمكان نجاح هذا المشروع بالاعتماد على القوة اليهودية الذاتية. ومن هنا، الصلة التاريخية بين المشروعين – الصهيوني والإمبريالي – في المنطقة. في المقابل، وبغض النظر عن رغبات المراكز الإمبريالية، وكذلك دور النخب اليهودية المنخرطة في مؤسساتها في بلورة الفكرة الصهيونية وترويجها، والمشروع الاستيطاني الناجم عنها، فإنه لولا أن تهيأت أوضاع التجمعات اليهودية في أوروبا لتقبل الفكرة، وللانخراط في المشروع عبر الهجرة والاستيطان على أساس القاعدة المطروحة، لما نهض المشروع الصهيوني بالطريقة التي حدثت.

وهكذا، ومنذ البداية، كان للعمل الصهيوني في أساسه شقّان. الأول يهودي، يقوم على قاعدة المسألة اليهودية كما استوعبتها النخب اليهودية، وصاغت مقولاتها، وراحت تبشر بها، وتجند اليهود للانضواء تحت لوائها، بقيادة تلك النخب ذاتها. وبذلك، شكلت تلك النخب الوسيط بين التجمعات اليهودية، التي تعيش حالة من التوتر والحراك الاجتماعي والجدل الفكري – الثقافي، وبين المراكز الإمبريالية، التي تعاني أزمة التناقضات الرأسمالية. وبدور الوسيط، طرحت النخب اليهودية المتصهينة حلولاً للأوضاع المتوتر التي تعيشها التجمعات اليهودية، انطلاقاً من مقولات الفكر الأوروبي السائد في القرن التاسع عشر، وقدمتها لتلك التجمعات بلبوس يهودي، يحمل طابعاً دينياً أسطورياً، وتهيمن عليه نزعة استرجاعية فريدة في نوعها. وعلى هذا الصعيد، جرى تفسير المسألة اليهودية بمصطلحات قومية، وطُرح الحل لهامن منطلقات قومية أيضاً، يذهب الى إقامة دولة يهودية، يتم بناؤها بالاستيطان. فالوعي الصهيوني الزائف للمسألة اليهودية، أدّى بالضرورة الى طرح الحل المزيف لها، قياساً مع مقولة أن "الدولة القومية تحل المسألة القومية". ولكن اليهودية ليست قومية، وبناء عليه، فالمسألة اليهودية ليست مسألة قومية، وبالتالي فالحركة الصهيونية ليست حركة تحرر وطني كما تدعي لنفسها.
أما الشق الثاني للعمل الصهيوني فهو الامبريالي، المنطلق من قاعدة الأطماع الإمبريالية في ثروات الوطن العربي وأسواقه التجارية ومرافقه الاتسراتيجية. وهذا الشق هو الذي يمد الآخر – اليهودي – بوسائل الحياة. وفي الواقع، فإن الدعوات المبكرة الى إقامة المشروع الصهيوني في فلسطين، التي أطلقها ساسة أوروبيون، سبقت تبلور الفكرة الصهيونية عند اليهود أنفسهم. وتفيد المصادر والوثائق أن استجابة اليهود لهذه الدعوات كانت فاترة جداً في النصف الأول من القرن التاسع عشر. أما في النصف الثاني منه، عندما راحت المسألة اليهودية تتفاقم في شرق اوروبا، وراح الفكر الإمبريالي ينتشر، بدأ بعض المفكرين اليهود يتقبلون الفكرة بإيجابية أعلى. وتبع هؤلاء المفكرين رجال السياسة اليهود، ممن كانوا منخرطين في مؤسسات الدولة والعمل في مرافقها، وممن رأوا في هذه الأفكار حلاً للمسألة اليهودية، وبالتالي إخراجاً لهم من الإحراج الاجتماعي، بسبب أصولهم اليهودية، وفرصة يقدمون فيها خدماتهم "اليهودية" للمؤسسة الحاكمة في بلادهم، تبريراً لمواقعهم فيها إزاء أترابهم من غير اليهود، وخصوصاً أنهم، بسبب يهوديتهم، لم يتمتعوا في نظر هؤلاء الأتراب باحترام كبير.

وبصمات الاستعمار واضحة في المشروع الصهيوني، وعبر مراحله المتعددة، سواء لناحية الفكر أو الممارسة. والنخب اليهودية الصهيونية في تقديمها هذا المشروع الى التجمعات اليهودية أسبغت عليه حلة يهودية، ليصبح مستساغاً لسكانها. ونظراً الى افتقار هذا المشروع الى قاعدة شعبية في تلك التجمعات، فقد استندت النخب الصهيونية في نشاطها الى دعم بؤر محددة في المراكز الامبريالية، وتنقلت بين تلك المراكز، تعرض عليها الخدمات، عبر تطوين اليهود المهاجرين من مواطنهم الأصلية في المواقع التي تخدم مصالح المركز المعني. وعندما نالت تلك النخب الموافقة الرسمية على خططها، توجهت الى الجماعات اليهودية لتجنيدها في خدمة المشروع الصهيوني، بحيث تكون عملياً مادته. وبذلك طال تآمر تلك النخب الجماعات اليهودية قبل أن يصل الى غيرها. وحتى بعد أن تولت قيادة العمل الصهيوني، ظلت مشكلتها الرئيسية مع اليهود أنفسهم لفترة طويلة، ولذلك لم تتورع تلك النخب من اللجوء الى الأساليب الملتوية لإكراههم على الهجرة الى فلسطين تحديداً، والاستيطان فيها وفق البرنامج الصهيوني – الإمبريالي.

مشاركة منتدى

  • مقال متميز سيدي الفاضل و نبذه رائعه للكاتب الكبير الياس شوفاني الغني عن التعريف
    و المخطط الصهيوني لن يتوقف عند حد في ظل التفرق الكبير الذي يعيشه اهل القضيه و العرب و انتقال المعركه من معركه دينيه الي مجرد حرب احزاب و شيع و وقوميات فبدل من قضيه المسلمين القدس تحورت و اصبحت قضائيا كثيره فرعيه بعيده كل البعد عن الدين و الذي هو في الاساس المفهوم الاول لعجلة الحر باليهوديه و التي ادركت انها لن تنتصر علي المسلمين و لكنها ببساطه ستنتصر علي العرب و قومياتهم و قبليتهم المتخلفه
    و لاحظ جيدا التشابهه المدهش في بداية المخطط للاستيلاء علي فلسطين عندما انهارت الدوله العثمانيه و انقسم العرب و ظهرت الممالك و الجمهوريات العربيه و الوضع الحالي في ظل نفس التشتت و الانقسام العربي
    الله معين العرب و المسلمين و مسيحين للعوده للصف
    وشكرا تحياتي
    العاب

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.


موقف «فلسطين» | أسرى الحرية | مجازر صهيونية | قضايا عربية ودولية | حوارات | المقالات والآراء | أخبار فلسطين | دراسات وتاريخ | صور وأعلام | توجيهات للكتاب
متابعة نشاط الموقع RSS 2.0