منبر القضية الفلسطينية
Falasteen Flag
Falasteen Flag
منبر القضية الفلسطينية

الصفحة الأساسية > قضايا عربية ودولية > ناصر ٦٧ والديمقراطية الغائبة.

ناصر ٦٧ والديمقراطية الغائبة.

١٤ حزيران (يونيو) ٢٠١٧
بقلم عمرو صابح


بعد نصف قرن على هزيمة 5 يونيو 1967 ، مازال البعض يردد نفس الأسطوانة المشروخة التى تقول ان هزيمتنا فى تلك المعركة ، كانت بسبب تغييب الديمقراطية فى الحقبة الناصرية ، وسيادة حكم الفرد وثقافة الرأى الواحد وعبادة الزعيم القائد.
فهل كانت الهزيمة بالفعل بسبب (ديكتاتورية) عبد الناصر؟

وهل لو كنا ديمقراطيين لانتصرنا عام 1967؟
وهل انتصرنا فى حرب أكتوبر 1973 لأننا أصبحنا ديمقراطيين؟
لنراجع معاً تلك الفرضيات ، ولنبدأ بيوم النصر 6 أكتوبر 1973 .
دخلت مصر حرب أكتوبر 1973 بقيادة "السادات" ، وليس "عبد الناصر" الذى وافته المنية قبلها بثلاثة أعوام وثمانية أيام ، ولكن النظام الذى أقامه "جمال عبد الناصر" كان ما زال هو النظام الحاكم ، فهناك حزب واحد حاكم هو "الاتحاد الاشتراكي"، والقطاع العام هو الذى يقود الاقتصاد ، كان هناك قطاع خاص محدود جداً ،وبالطبع لم يكن هناك انفتاح ، كانت العلاقات المصرية الأمريكية فاترة ،وليست شديدة الوثوق كما جرى بعد الحرب، ورغم تخلص السادات من مجموعة من أقرب المعاونين لعبد الناصر فى انقلاب مايو 1971 ،إلا أن مجموعة أخرى من المقربين لعبد الناصر كانت مازالت شديدة القرب منه ،وتؤثر فى سياساته على الأقل حتى بدء الحرب مثل (محمد حسنين هيكل – حسين الشافعى – محمد حافظ إسماعيل ).
وهكذا سياسياً واقتصادياً كان النظام الناصري ما زال حاكماً حتى مع تغير رأسه ، لنصل الآن للعامل الرئيسي فى تحقيق النصر العسكرى بالمعركة، وهو القوات المسلحة المصرية التى تعرضت لهزيمة غير مستحقة فى حرب 5 يونيو 1967 ، ، ولكن منذ 11 يونيو 1967 حتى 6 أكتوبر 1973 استطاعت أن تتجاوز تلك الصدمة بسرعة قياسية لم يكن أحد يتخيل أن تتم بها.
فالجيش المهزوم والمنسحب من سيناء تتم عملية غربلته من جديد ،وإنشاءه على أسس علمية احترافية ، لم تكن ممكنة لولا مئات الألوف من حملة المؤهلات العليا ،والمتوسطة ،التى أتاحت لهم مجانية التعليم التى نفذها النظام الناصري الديكتاتوري!! فرص التعليم الجيد .
ولولا مئات القادة العسكريون البارعون الذين تم إرسالهم فى بعثات علمية فى أفضل المعاهد العسكرية فى العالم خلال فترة حكم الديكتاتور"عبد الناصر" .
وإصلاحات النظام الناصري الديكتاتوري الاقتصادية والاجتماعية هى التى حافظت على استقرار المجتمع المصري داخلياً ،مما أتاح للمصريين تحمل ظروف الحياة فى ظل الحرب ، وشعبية الديكتاتور"جمال عبد الناصر" الجارفة عربياً ، هى التى وفرت لمصر الدعم المالى العربي بعد حرب 1967 ، وعلاقات "عبد الناصر" الوثيقة بالاتحاد السوفيتى ، هى التى مكنت مصر من إعادة تسليح جيشها بعد النكسة ، وخوض حرب الاستنزاف المجيدة ، والتى كانت بمثابة بروفة حية لحرب أكتوبر 1973 ، والتى تم خلالها وضع خطط العبور والتدريب عليها ،وتوفير كل مستلزماتها ، والتى انتهت ببناء جيش النصر ،وحائط الصواريخ المنيع على حافة الضفة الغربية لقناة السويس ،والذى بدونه ما كان ممكناً أبداً أن يتم العبور لسيناء.

من الجدير بالملاحظة ان شركات القطاع العام بالتعاون مع القوات المسلحة المصرية ، هى التى اضطلعت ببناء هذا الحائط الضخم ، والذى كان وقتها أكبر حائط صواريخ فى العالم ، مضافاً لكل ذلك إصرار "عبد الناصر" على وجود جبهة شرقية قوية ممثلة فى "سوريا "، للمشاركة مع مصر فى المعركة المقبلة ، وقد تبين مدى أهمية تلك الجبهة عندما اندلعت المعركة بالفعل فى ظهيرة يوم 6 أكتوبر، فبفضل التنسيق المصري السورى خلال المعركة ، كانت خسائر مصر أثناء عملية العبور هى 5 طائرات ، و20 دبابة ، و280 شهيد ، كان ذلك بمثابة إعجاز بشري ، وكان مستحيلاً أن يتم لولا الجبهة السورية ، فقد ركز العدو الصهيونى 80% من قواته الجوية على جبهة الجولان يومها ، والـ20% الباقين على الجبهة المصرية ، لقرب الجبهة السورية من العمق الإسرائيلي، بينما تفصل صحراء سيناء الشاسعة القوات المصرية العابرة عن الحدود مع إسرائيل. 
يكفى أن نعلم أنه كان متوقعاً أن تفقد مصر فى عملية العبور فقط 26 ألف شهيد، وهو ما تم تلافيه بفتح الجبهة الشرقية.

خلال حرب أكتوبر 1973 أغلقت البحرية المصرية مضيق باب المندب فى وجه الملاحة الإسرائيلية والغربية ، لم يكن هذا ممكناً لولا حروب الديكتاتور "عبد الناصر" ضد الاستعمار البريطانى فى شرق السويس، والتى انتهت بطرد البريطانيين من الخليج العربي كله ، ولولا مساندته لثورة اليمن عام 1962.

فى 1 سبتمبر 1969 اندلعت الثورة الليبية المتأثرة بأفكار "جمال عبد الناصر" فحررت ليبيا من القواعد العسكرية الغربية التى انطلق منها الطيران المعادى لضرب مطارات مصر فى حربي 1956 و1967 ، وحولت ليبيا لاحتياطي استراتيجي لمصر خلال المعركة فمولت ليبيا صفقة الطائرات الميراج الفرنسية لمصر وساهمت فى تسليح جيشها ووفرت لمصر قواعد بحرية آمنة على شواطئها.

وهكذا جسدت حرب 6 أكتوبر 1973 كل إيجابيات النظام الناصري فى شتى المجالات ،ولكنها تمت بدون وجود الديكتاتور "عبد الناصر" مؤسس النظام ذاته ، والمدهش أن "السادات" أستغل هذا النصر العسكرى العظيم فى تفكيك النظام الناصري سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ،عقب الحرب مباشرة ،عبر الانفتاح ، والعلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة ، والسلام مع إسرائيل ، والقطيعة مع العرب.

لذا يبدو مثيراً للضحك حتى البكاء ،إصرار البعض على أن النصر تم لأن "عبد الناصر" الديكتاتور اختفى من الحياة ،ولأن "السادات" الديمقراطى حل محله ، بالطبع هناك دور مهم للفرد فى التاريخ ، ولكن هناك قواعد حاكمة لسير التاريخ ، بالإمكان تفهم وجهة نظر أنصار هذا الرأى ، لو أن حرب أكتوبر 1973 ، تمت فى ظل تعدد الأحزاب و الانفتاح ، والعلاقات الطيبة مع الغرب ، وبدون اقتصاد موجه وبدون أسلحة سوفيتية ، لكن مادام ذلك لم يحدث ، فوجهة نظرهم تظل جاهلة وقاصرة ومشوبة إما بعدم وعى ببنية الأنظمة السياسية ، أو بكراهية "عبد الناصر" ، أو بالاثنين معاً.

هنا يثور سؤال لابد من الإجابة عليه ، إذن لماذا هُزم النظام الناصري فى حرب 5 يونيو 1967 ؟!!
هل لكونه نظام ديكتاتوري معادى للديمقراطية؟

لم يقل "عبد الناصر" أبداً أنه من المؤمنين بالديمقراطية على الطريقة الغربية كما أنه لم يدع الليبرالية يوماً ، كان الرجل واضحاً فى انحيازاته التى يمكن اختصارها فى إيمانه بالديمقراطية الاجتماعية كمقدمة للديمقراطية السياسية ، وكان يرى ان الفقير الجاهل الجائع لا يمكن أن يمتلك صوته ويجيد اختيار مرشحه السياسي ، لذا سعى جاهداً لتذويب الفوارق بين الطبقات ورفع المستوى الاقتصادى والاجتماعى للأغلبية المظلومة ، كما تبنى برنامج طموح للتعليم المجانى فى كل مراحل التعليم.

كانت تلك الإجراءات كلها مقدمة للديمقراطية الحقيقية عبر التوازن الطبقى فى المجتمع ، وعبر الحراك الاجتماعى الذى تحدده قيمة العلم وليست قيمة المال ،وعبر المساواة وتكافؤ الفرص .
هناك أسباب عديدة لهزيمة النظام الناصري فى تلك الحرب ، لم تكن الديمقراطية واحداً منها .
كان من أهم تلك الأسباب تجاوز النظام الناصري للحدود المسموح بها دولياً لدولة من العالم الثالث سواء عبر خطط التنمية الطموحة والناجحة وغير المرتبطة بالاحتكارات الرأسمالية العالمية ، أو عبر وجود الجيش المصري فى اليمن وتداعيات ذلك على حكام الخليج العربي كله، أو عبر الصراع النووى المصري الإسرائيلي وتلك الجزئية لم يتم التطرق لها تاريخياً حتى الآن بما يسبر أغوارها ، ويكشف سر طلعات الطيران المصري الاستكشافية على مفاعل "ديمونة" فى مايو 1967 .
ومما يثير السخرية ان من يتحججون بضرورة وجود الديمقراطية على النمط الغربي كشرط حاكم لانتصار الدول على أعداءها ، يتناسون وقائع تاريخية ثابتة يمكن نسف حجتهم بها.
على سبيل المثال لا الحصر.
هل أنتصر ستالين على هتلر لكونه أكثر ديمقراطية منه؟
هل أنتصر الحلفاء بوجه عام على المحور لكونهم ديمقراطيين ، هل يمكن اعتبار استعمارى كتشرشل ، وسفاح ملوثة يداه بدماء مئات الألوف من اليابانيين كترومان ديمقراطيين؟
هل أنتصر ماو تسي تونج على نهرو فى الحرب الصينية الهندية عام 1962 لكون الأول ديمقراطي؟ والثانى ديكتاتور؟!!

ألم يكن يجب أن ينتصر نهرو على ماو لو طبقنا تلك الحجة عن كون الديمقراطية شرطاً حاكماً للنصر العسكرى؟!!
هل الكيان الصهيونى الاستيطاني الفاشي العنصري المدجج بالسلاح الذى يحكمه العسكريون منذ نشأته يمكن تصنيفه كنظام ديمقراطى؟

هل الديمقراطية يمكن حصرها فقط فى تداول شكلى للسلطة يتم كل عدة أعوام بين مجموعة واحدة من أصحاب المصالح كما يحدث فى الغرب؟

ألم تكن مصر عام 1948 تُحكم عبر نظام ليبرالي رأسمالي يصوره البعض كجنة للديمقراطية المفقودة ، ورغم ذلك هُزم ذلك النظام فى حرب فلسطين الأولى ، وترتب على تلك الهزيمة ضياع 78% من أراضى فلسطين التاريخية ، وتأسيس الكيان الصهيونى.
ما مبرر الهزيمة تلك المرة؟!! هل يعقل أن تكون ديمقراطية النظام؟!!

لم يكن النظام الناصري ديكتاتورياً والحكم عليه يجب أن يتم وفقاً لعصره ، ولم يكن الأمريكيون وذيولهم فى الكيان الصهيونى ديمقراطيين ، لذا استحقوا النصر فى تلك المعركة؟
الديمقراطية ليست من شروط النصر فى الحروب ، وكذلك الديكتاتورية ليست من شروط الهزيمة فى الحروب.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.


موقف «فلسطين» | أسرى الحرية | مجازر صهيونية | قضايا عربية ودولية | حوارات | المقالات والآراء | أخبار فلسطين | دراسات وتاريخ | صور وأعلام | توجيهات للكتاب
متابعة نشاط الموقع RSS 2.0